مجمع البحوث الاسلامية
377
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
في قول القائلين من سلطان . ولا نملك أن نمضي أكثر من هذا في تصوير بركة هذا الكتاب ، وما نحن ببالغين لو مضينا شيئا أكثر من شهادة اللّه له بأنّه ( مبارك ) ، ففيها فصل الخطاب . ( 2 : 1147 ) الطّباطبائيّ : إنّ الأوصاف المذكورة للكتاب بقوله : مُبارَكٌ مُصَدِّقُ إلخ ، بمنزلة الأدلّة على كونه نازلا من اللّه وليست بأدلّة ، فمن أمارات أنّه منزل من عند اللّه أنّه مبارك أودع اللّه فيه البركة والخير الكثير ، يهدي النّاس للّتي هي أقوم ، يهدي به اللّه من اتّبع رضوانه سبل السّلام . ينتفع به النّاس في دنياهم باجتماع شملهم ، وقوّة جمعهم ، ووحدة كلمتهم ، وزوال الشّحّ من نفوسهم ، والضّغائن من قلوبهم ، وفشوّ الأمن والسّلام ، ورغد عيشتهم ، وطيب حياتهم ، وانجلاء الجهل وكلّ رذيلة عن ساحتهم ، واستظلالهم بمظلّة سعادتهم . وينتفعون به في أخراهم بالأجر العظيم والنّعيم المقيم . ولو لم يكن من عند اللّه سواء كان مختلفا من عند بشر ، كشبكة يغرّ بها النّاس فيصطادون ، أو كان تزويقا نفسانيّا ، أو إلقاء شيطانيّا ، يخيّل إلى الّذي جاء به أنّه وحي سماويّ من عند اللّه ، وليس من عنده ، لم تستقرّ فيه ، ولا ترتّب عليه هذه البركات الإلهيّة والخير الكثير ، فإنّ سبيل الشّرّ لا يهدي سالكه إلّا إلى الشّرّ ، ولن ينتج فساد صلاحا ، وقد قال تعالى : فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ النّحل : 37 ، وقال : وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ الصّفّ : 5 ، وقال : وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً الأعراف : 58 . ( 7 : 279 ) [ وبعد نقل كلام الرّاغب قال : ] فالبركة بالحقيقة هي الخير المستقرّ في الشّيء اللّازم له ، كالبركة في النّسل ، وهي كثرة الأعقاب ، أو بقاء الذّكر بهم خالدا ، والبركة في الطّعام : أن يشبع به خلق كثير مثلا ، والبركة في الوقت : أن يسع من العمل ما ليس في سعة مثله أن يسعه . غير أنّ المقاصد والمآرب الدّينيّة لمّا كانت مقصورة في السّعادات المعنويّة أو الحسّيّة الّتي تنتهي إليها بالآخرة ، كان المراد بالبركة الواقعة في الظّواهر التّي فيها هو الخير المعنويّ ، أو ينتهي إليه ، كما أنّ مباركته تعالى الواقعة في قول الملائكة النّازلين على إبراهيم عليه السّلام : رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ هود : 73 ، خيرات متنوّعة معنويّة كالدّين والقرب وغيرهما ، وحسّيّة كالمال وكثرة النّسل وبقاء الذّكر وغيرها ، وجميعها مربوطة بخيرات معنويّة . وعلى هذا فالبركة أعني كون الشّيء مشتملا على الخير المطلوب ، كالأمر النّسبيّ يختلف باختلاف الأغراض ، لأنّ خيريّة الشّيء إنّما هي بحسب الغرض المتعلّق به ، فالغرض من الطّعام ربّما كان إشباعه الجائع ، أو أن لا يضرّ آكله ، أو أن يؤدّي إلى شفاء واستقامة مزاج ، أو يكون نورا في الباطن يتقوّى به الإنسان على عبادة اللّه ، ونحو ذلك ، كانت البركة فيه استقرار شيء من هذه الخيرات فيه بتوفيق اللّه تعالى ، بين الأسباب والعوامل المتعلّقة به ورفعه الموانع . ومن هنا يظهر أنّ نزول البركة الإلهيّة على شيء